حسن الأمين
35
مستدركات أعيان الشيعة
فقال ثمامة : أتؤمن - يا أبا العتاهية - بان هذا قول رسول الله ، وإنه الحق ؟ . قال : نعم . فقال ثمامة : فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة ( 1 ) في دارك ، ولا تأكل منها ، وتشرب ، ولا تزكي ، ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك ؟ . فقال أبو العتاهية : يا أبا معن والله إن ما قلت لهو الحق ، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس . قال ثمامة : وبم تزيد حال من افتقر على حالك ، وأنت دائم الحرص ، دائم الجمع ، شحيح على نفسك ، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد ( 2 ) وجاء في « الأغاني » : كان علي بن يقطين صديقا لأبي العتاهية ، وكان يبره في كل سنة ببر واسع ، فأبطأ عليه بالبر في إحدى السنين ، وكان إذا لقيه أبو العتاهية أو دخل عليه يسر به ويرفع مجلسه ولا يزيده على ذلك . فلقيه ذات يوم ، وهو يقصد دار الخليفة ، فاستوقفه ، فوقف له فأنشده : حتى متى ، ليت شعري يا ابن يقطين اثني عليك بما لا منك توليني ؟ إن السلام ، وإن البشر من رجل في مثل ما أنت فيه ، ليس يكفيني هذا زمان ألح الناس فيه على تيه « 3 » الملوك وأخلاق المساكين « 4 » أما علمت ، جزاك الله صالحة وزادك الله فضلا يا ابن يقطين أني أريدك للدنيا وعاجلها ولا أريدك ، يوم الدين ، للدين ؟ ! فقال علي بن يقطين : لست والله أبرح ولا تبرح من موضعنا هذا إلا راضيا . . وأمر له بما كان يبعث به إليه في كل سنة . ( 3 ) في هاتين القصتين نجد مفتاح المعضلة التي نريد أن نعالجها ، في هذا الفصل ، من أمر أبي العتاهية ، شاعر الزهد . فهو - إذن - يعرف قدر المال معرفة إنسان ومعرفة مفكر معا ، وهو مدرك أعمق الإدراك - إذن - ان المال ضرورة لا غناء عنها ولكنه ليس غاية لذاته ، بل لا تزيد قيمة المال عنده عن كونه وسيلة « يعتق بها نفسه » ، أي يحرر بها إنسانيته من عبودية الخوف : « خوف الفقر والحاجة إلى الناس » . ولذلك يرى أبو العتاهية ان المال الحق إنما هو المال الذي تتخذ منه هذه الوسيلة ، أي ما تنفقه أنت لحاجتك ، لدفع الفقر عن نفسك ، لتحرير ذاتك من هوان الطلب وذل السؤال ، فإذا ادخرته أو استعملته لغير هذه الوسيلة ، ذهبت عنه صفة المال ، وانقلب من شيء تملكه أنت إلى شيء هو يملكك ويستعبد إنسانيتك . ومن هنا كان أبو العتاهية يحب المال ، ومن هنا كان دائم الحرص عليه ، دائم الجمع له ، شحيحا على نفسه ، لا يشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد ، كما يقول ثمامة بن الأشرس ، وكما اعترف هو بذلك . وإذا كان يبدو هذا الحرص ، وهذا الجمع للمال ، وهذا الشح البالغ على النفس - غريبا إلى حد الشذوذ ، فان وراء ذلك أمرا يدل عليه حال أبي العتاهية أوضح دلالة ، وهو أن الرجل كان يعيش في زمن يبلغ به خوف الناس من بؤس الفقر وذلة الحاجة هذا المبلغ الرهيب ، حتى ليضطر شاعر مثل أبي العتاهية ، له جاه وصيت وصولة لسان ، أن يحرص على المال ويدأب في جمعه ، ويشح بإنفاقه على نفسه ويحرم اللحم على معدته إلا يوما في السنة أو يومين ، لأن شبح الفقر لا يبرح خياله ، ولأن ذل السؤال لا ينفك يساور نفسه ، فما بالك بغير هذا الشاعر ، السائر الذكر ، من طبقات العمال الضعفاء والمغمورين والمنبوذين ؟ . . فإذا انتقلنا إلى قصة أبي العتاهية مع علي بن يقطين ، تزداد هذه الدلالة عندنا وضوحا ، إذ نرى شاعرنا يعترض صديقه هذا ، وهو في طريقه إلى دار الخليفة ، فيبدي له الغضب إلى حد السخط ، لأنه يثني عليه منذ زمن فلا يلقى جواب الثناء إلا السلام وحسن اللقاء ، وهو يريده لشيء غير هذا ، يريده لدنياه ، لحاجته العاجلة في دنياه ، لهذا البر الذي عوده إياه ابن يقطين في كل عام ، وليس يريده لأمر في دينه يدخره إلى يوم الدين ! وأبو العتاهية لا يترك ملامته اللاذعة يوجهها لصديقه الجليل ابن يقطين ، دون أن يفصح عن سبب هذه الملامة ، فهو يصف له حال مجتمعه وكأنه يعتذر إليه بان حال مجتمعه هذه هي التي تضطره أن يقصده بالثناء لغير شيء سوى البر والعطاء : هذا زمان ألح الناس فيه على تيه الملوك ، وأخلاق المساكين فهو ، إذن ، في زمان ينقم الناس فيه من الملوك صلفهم واستكبارهم على العامة بما عندهم من أسباب الترف والنعمة والسلطان ، على حين يعيش المساكين والفقراء ، أي جمهور الناس ، في باليات الثياب وتافهات العيش . وأبو العتاهية ، واحد من هؤلاء الناس الذين كانوا يلحون بالنقمة على تيه الملوك ، وسوء حال المساكين ، وهو - من هنا - لا يرى بأسا عليه أن يطلب إلى هذا الشيخ الجليل ابن يقطين جزاء الثناء ، أمرا غير السلام وحسن اللقاء . يتبين لنا من كل ما تقدم أن نظرة أبي العتاهية إلى المال ، نظرة واقعية علمية سليمة لا غبار عليها ، وانه بهذه النظرة يختلف كل الاختلاف عن الزهاد في تقديرهم المال ونظرتهم إليه . ثم يتبين لنا ، من ذلك ، أيضا ان خوف أبي العتاهية من الفقر ، وما يتبع ذلك من لجاجة في طلب المال وحرص عليه شديد ، إنما كان انعكاسا لحالة اجتماعية واقعية ، هي انتشار الفقر في طبقات المجتمع واستئثار العلية وذوي السلطان بالغنى والترف ، حتى كان من هذا وذاك أن ساد جمهرة الناس شعور بالقلق الدائم واستعبدهم هذا الخوف الشديد من الفقر والإعواز ، الذي كان يمتلك أبا العتاهية نفسه . ويتبين لنا ، أخر الأمر ، ان هذا الشاعر لم يتخذ شعر الزهد تعبيرا عن ذاته ، و « فرديته » ، أي عن حالة من التصوف أدركته ، فانصرف عن طيبات الدنيا إلى التبتل والتقشف والتنسك ، لأن نزعته السلوكية لم تكن كذلك قطعا
--> ( 1 ) البدرة : عشرة آلاف درهم . ( 2 ) ضحى الإسلام جزء 3 - ص 153 . ( 3 ) قطوف الأغاني ج 5 - ص 80 .